السيد محمد باقر الصدر
360
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
الإنسانية ، على حرّيته في مقابل شهوات الحيوان الكامن في أعماقه وجعلنا منه أداة تنفيذ لتلك الشهوات حتى إذا التفت إلى نفسه في أثناء الطريق وجد نفسه محكوماً لا حاكماً ومغلوباً على أمره وإرادته . وعلى العكس من ذلك إذا بدأنا بتلك القدرة التي يكمن فيها سرّ الحرية الإنسانية فأنميناها وغذّيناها وأنشأنا الإنسان انشاءاً انسانياً لا حيوانياً ، وجعلناه يعي أنّ رسالته في الحياة أرفع من هذا المصير الحيواني المبتذل الذي تسوقه إليه تلك الشهوات ، وإنّ مثله الأعلى الذي خلق للسعي في سبيله أسمى من هذه الغايات التافهة والمكاسب الرخيصة التي يحصل عليها في لذاذاته المادية ، أقول : إذا صنعنا ذلك كله حتى جعلنا الإنسان يتحرّر من عبودية شهواته وينعتق من سلطانها الآسر ويمتلك ارادته فسوف نخلق الإنسان الحرّ القادر على أن يقول : لا أو نعم دون أن تكمّم فاه أو تغلّ يديه هذه الشهوة الموقوتة أو تلك اللذة المبتذلة . وهذا ما صنعه القرآن حين وضع للفرد المسلم طابعه الروحي الخاص وطوّر من مقاييسه ومُثُله وانتزعه من الأرض وأهدافها المحدودة إلى آفاق أرحب وأهداف أسمى ، فلنستمع إليه يقول : « زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » « 1 » .
--> ( 1 ) آل عمران : 14 - 15